السيد محمد تقي المدرسي
358
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)
السؤال فيما يلي : يرى بعض العلماء أن الكلام تفكير ناطق ، والتفكير كلام خافت « 1 » . يريد بذلك بيان مدى ارتباط الواحد بالآخر ويعبر عن هذه الحقيقة ، الحكمة المأثورة التي تقول : البيان روح العلم . بيد أن هذا التعبير بحاجة إلى مزيد من توضيح إذ ما هي الصلة بين الكلام والتفكير المنهجي ، غير صلة الإطار بالمحتوى ، والظرف بالمظروف ، وبالتالي القشر باللب ؟ في الواقع ، الصلة أعمق من ذلك ، إذ ان الإنسان كل لا يتجزأ وعليه ، فإن أي جانب منه ، يؤثر في الجوانب الأخرى بصورة مباشرة . فمثلا : من يملك فكرة واضحة ومحددة ، يملك أيضا التعبير الواضح المحدد ، كما أن من يملك تعبيرا واضحا عن شيء ، فلا بد أن يملك في ضميره ، فكرة واضحة عنه أيضا . وهذا يفسر لنا طبيعة المنطق الاجتماعي اللغوي ( الأنثروبولوجي الثقافي ) حيث إنه يبحث في أعماق اللغة ليعرف بالضبط كيف يفكر أهل هذه اللغة ؟ يعتقد فرانز بواس : ان أية لغة حديثة إنما تتطلب في ذاتها إلقاء أضوائها على الكثير من العناصر الصورية ، بالاستفادة إلى الاشتقاق اللفظي ، والتصنيف النحوي « 2 » . ومن هنا نستطيع أن نحدد تلك العلاقة الوثيقة ، التي تربط ( عالم الفكر ) ، ( بعالم اللغة ) . فإن علو كعبة الفكر ( في رأي بواس ) إنما يستفيد من اللغة كما أن سمو الثقافة ، وارتقاء الحضارة ، يعود على تلك اللغة ، بالثراء ، ولذلك كان الاحتكاك الثقافي ، عاملا أساسيا ، في تطور اللغة ونموها ، إذ ان اللغة الهندية الحديثة ، باحتكاكها بالثقافات الأوروبية ، قد أفادت إلى حد كبير ، مما يجعلها تصبح على درجة كبيرة من التجريد ! وكمثل على علاقة الفكر باللفظ ( والفكرة بالتعبير ) يعطينا بواس توضيحا طريفا فيقول : إذا قلنا مثلا : إن العين هي عضو الإبصار فقد لا يمكن للبدائي الهندي أن يكوِّن فكرة لكلمة العين بل يحاول أن يحدد ان المقصود - بهذه
--> ( 1 ) - لمن ترهقهم الحياة ، ص 215 . ( 2 ) - علم الاجتماع والفلسفة ، ج 1 ، ص 111 .